حيدر حب الله
66
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والمعروف ضدّ المنكر ، والعرف ضدّ المنكر ، ويقال : أولاه عرفاً ، أي معروفاً « 1 » . وقد جعل ابن فارس العرف على أصلين ، ثانيهما من السكون والطمأنينة ؛ لأن المعرفة والعرفان توجب ذلك ، ولهذا كان المنكر متوحَّشاً منه ؛ لأنه لا يحصل معه سكون وطمأنينة « 2 » . وبالتأمل في اللغة نجد أن المعروف من المعرفة مقابل المنكر من الذي لا يعرف ، كما تفيده كلمات الجوهري وابن فارس ، وهذا معناه أن العرف ليس أمراً دينياً ولا فقهياً بالضرورة ، وإنما هو الأمر الذي يعرفه الناس بحيث لا يحصل استيحاش منه بل استئناس وطمأنينة ؛ من هنا ، تكون الآية دالّة على الأمر بكل فعل يستأنس به الناس ولا يرونه منكراً مذموماً ، ويركن إليه العقلاء بحيث يشمل الصفات الحميدة والقيم المشتركة بين البشر ، والسلوك الممدوح عند الناس ، والتصرفات التي لا تترك وحشةً عند الخلق ، أي مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وروائع الصفات ، بلا اختصاص بدين أو مذهب أو فقه أو عقيدة ؛ ولهذا قد تتصل هذه الآيات بأبحاث مثل حجية السيرة العقلائية وحجية العرف على تفصيل لا نخوض فيه هنا ؛ لخروجه عن محل بحثنا ؛ ووفقاً لذلك فحصر العرف هنا بالتوحيد وما هو من الدين لا دليل عليه ، وإن كان شاملًا له ، فما ذكره الطبرسي و . . « 3 » من أنّ العرف هو كل خصلة حميدة هو الصحيح . ولا يراد بذلك جعل الأعراف الفاسدة معياراً ؛ لأنّ المراد بالعرف الأمر الذي هو حسن في نفسه ويستحسنه الذوق العقلائي لا ذوق هذا المجتمع أو ذاك ؛ لأنّه يعلم من الشارع عدم جعل الأعراف حجّة على هذا المستوى كما هو واضح .
--> ( 1 ) الصحاح 4 : 1401 . ( 2 ) معجم مقاييس اللغة 4 : 281 . ( 3 ) انظر - على سبيل المثال - : مجمع البيان 4 : 414 ، 415 .